محمد بن جرير الطبري
122
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وثن . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول : ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأَنداد فتكون من الهالكين . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ يقول تعالى ذكره : ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة ولا يضرك في دين ولا دنيا ، يعني بذلك الآلهة والأَصنام ، يقول : لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها ، فإنها لا تنفع ولا تضر ، فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ يقول : من المشركين بالله ، الظالم لنفسه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ . . . وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ يقول تعالى ذكره لنبيه : وإن يصبك الله يا محمد بشدة أو بلاء فلا كاشف لذلك إلا ربك الذي أصابك به دون ما يعبده هؤلاء المشركون من الآلهة والأَنداد . وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ يقول : وإن يردك ربك برخاء أو نعمة وعافية وسرور ، فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يقول : فلا يقدر أحد إن يحول بينك وبين ذلك ولا يردك عنه ولا يحرمكه ؛ لأَنه الذي بيده السراء والضراء دون الآلهة والأَوثان ودون ما سواه . يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ يقول : يصيب ربك يا محمد بالرخاء والبلاء والسراء والضراء من يشاء ويريد من عباده ، وهو الغفور لذنوب من تاب وأناب من عباده من كفره وشركه إلى الإِيمان به وطاعته ، الرحيم بمن آمن به منهم وأطاعه أن يعذبه بعد التوبة والإِنابة . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ . . . فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد للناس يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ يعني : كتاب الله ، فيه بيان كل ما بالناس إليه حاجة من أمر دينهم . فَمَنِ اهْتَدى يقول : فمن استقام فسلك سبيل الحق ، وصدق بما جاء من عند الله من البيان . فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يقول : فإنما يستقيم على الهدى ، ويسلك قصد السبيل لنفسه ، فإياها يبغي الخير بفعله ذلك لا غيرها . وَمَنْ ضَلَّ يقول : ومن اعوج عن الحق الذي أتاه من عند الله ، خالف دينه ، وما بعث به محمدا والكتاب الذي أنزله عليه . فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها يقول : فإن ضلالة ذلك إنما يجني به على نفسه لا على غيرها ؛ لأَنه لا يؤخذ بذلك غيرها ولا يورد بضلاله ذلك المهالك سوى نفسه . وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يقول : وما أنا عليكم بمسلط على تقويمكم ، إنما أمركم إلى الله ، وهو الذي يقوم من شاء منكم ، وإنما أنا رسول مبلغ أبلغكم ما أرست به إليكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ يقول تعالى ذكره : واتبع يا محمد وحي الله الذي يوحيه إليك وتنزيله الذي ينزله عليك ، فاعمل به واصبر على ما أصابك في الله من مركي قومك من الأَذى والمكاره وعلى ما نالك منهم حتى يقضي الله فيهم وفيك أمره بفعل فاصل . وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ يقول : وهو خير القاصين وأعدل الفاصلين . فحكم جل ثناؤه بينه وبينهم يوم بدر ، وقتلهم بالسيف ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم فيمن بقي منهم أن يسلك بهم سبيل من أهلك منهم أو يتوبوا وينيبوا إلى طاعته . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ قال : هذا منسوخ حتى يحكم الله ، حكم الله بجهادهم وأمره بالغلظة عليهم . والله الموفق للصواب ، والحمد لله وحده ، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما . [ تفسير سورة هود ] القول في تأويل قوله تعالى : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ قال